سيد محمد طنطاوي
212
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : قوله : * ( هِيَ مَوْلاكُمْ ) * قيل : هي أولى بكم . . . وحقيقة مولاكم ، أي : مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم ، أي مكان لقول القائل إنه لكريم . ويجوز أن يراد : هي ناصركم . أي : لا ناصر لكم غيرها . والمراد : نفى الناصر على البتات ، ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر بالجزع . ومنه قوله - تعالى - وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ . وقيل : هي مولاكم ، أي تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار . وعطف - سبحانه - الذين كفروا على المنافقين في عدم قبول الفدية ، لاتحادهم في التكذيب بيوم الدين ، وفي الاستهزاء بالحق الذي جاءهم من عند اللَّه - تعالى - . والمخصوص بالذم في قوله - تعالى - : * ( وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * محذوف والتقدير : وبئس المصير جهنم التي هي المكان الذي تصيرون إليه . فأنت ترى أن المؤمنين قد بينوا للمنافقين ، أنهم يوافقونهم على أنهم كانوا معهم في الدنيا . ولكن الذي أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الأليم هو : فتنة أنفسهم ، والتربص بالمؤمنين ، والارتياب في صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والاغترار بخداع الشيطان . . فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب أفعالهم القبيحة . وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم ، وعن المنافقين وظلماتهم وعن تلك المحاورات التي تدور بينهم . . بعد كل ذلك حرض - سبحانه - المؤمنين ، على أن يروضوا أنفسهم على خشية اللَّه - تعالى - وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب في قسوة القلب ، ووعد - سبحانه - المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل ، وبالنور العظيم ، فقال - تعالى - : [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 16 إلى 19 ] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه وما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 16 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقاتِ وأَقْرَضُوا اللَّه قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ ولَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 ) والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ورُسُلِه أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 19 )